عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

7

الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار

في القراءات ملهما في المعاني والإشارات . ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه ، يذكرهم لنا الإمام شمس الدين بن مسدي في روايته عن محيي الدين فيقول واصفا متحدّثا عن أساتذته الأول : « كان جميل الجملة والتفصيل ، محصّلا لفنون العلم أخصّ تحصيل ، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق ، والتقدم الذي لا يسبق ، سمع في بلاده في شبابه الباكر من ابن زرقون ، والحافظ ابن الجد ، وأبي الوليد الحضرمي ، الشيخ أبي الحسن بن نصر » . ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا ذا بال عن شباب محيي الدين ، ولا عن شيوخه ، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون ؛ وإنما هو يحدّثنا أنه مرض في شبابه مرضا شديدا . وفي أثناء شدة الحمّى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشّرّ ، مسلحين يريدون الفتك به . وبغتة رأى شخصا جميلا قويّا مشرق الوجه ، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر ، ولم يبق منها أي أثر ، فيسأله محيي الدين من أنت ؟ فقال له : أنا سورة يس . وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس . ثم لم يلبث أن برئ من مرضه ، وألقي في روعه أنه معدّ للحياة الروحية ، وآمن بوجود سيره فيها إلى نهايتها ففعل . وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق ، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية ، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها . وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلّم سرّا مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن الفيثاغورية والأورفيوسية والفطرية الهندية . وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تدرّس لتلاميذها المبادئ الخفية والتعاليم الرمزية منذ عهد ابن مسرة المتوفّى بقرطبة في سنة 319 ه - 931 م والذي لم يعرف المستشرقون مؤلفاته إلّا عن طريق محيي الدين . وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف المتوفّى في سنة 1141 م فلم يره محيي الدين ، ولكنه تتلمذ على منتجاته وعلى رواية تلميذه المباشر وصديق محيي الدين الوفي أبي عبد اللّه الغزال . ومما لا ريب فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية ، واختلافه إلى تلك المدرسة الرمزية ، كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده